Yahoo!

في حوار مع الخبير الاستراتيجي جاسم سلطان

كتبها رشيد لخضر ، في 21 أغسطس 2010 الساعة: 13:11 م

جاسم سلطان: قضية الاستحواذ التاريخية ”أننا نحن المنقذون للأمة” ليس لها مكان من المصداقية

يرى الدكتور والخبير الاستراتيجي القطري جاسم سلطان أن قضية الاستحواذ التاريخية ”أننا نحن المنقذون للأمة” ليس لها مكان من المصداقية، لكن التحول عنها عملية ليست بالسهولة بمكان، إذ يحتاج ذلك في منظوره إلى جهد تربوي وجهد معرفي لإعادة هندسة المدخلات الثقافية، وأوضح سلطان في حوار لموقع الإصلاح أن أكبر مشكلة تواجه الحالة الإسلامية الآن أنها لم تغص عميقا في مقولاتها الكبرى وتناقشها، وأكد أن التغيير يحتاج إلى جرأة كبيرة جدا مثل أن نقول إننا لسنا بديلا عن المجتمع وليس شيئا آخر غير المجتمع الذي نعيش فيه، وهذا بدوره يقول سلطان يحتاج إلى شيء من الثقافة والوعي والتنظير يجعل له قوة دفع بديلة عن الأفكار القديمة، مؤكدا أن الحالة الإسلامية لكي تستمر في القيادة والتطور هي في حاجة إلى أن تنظر إلى اعتراضات الخصوم باعتبارها أسئلة حقيقية ينبغي أن تتعامل معها وتستفيد منها في تطوير قدراتها. وفي ما يلي نص الحوار:

معروف عن فضيلتكم التنظير في مشروع النهضة، هل هناك تفاعل مع هذا المشروع أم أنه لم يراوح مكانه بالنظر إلى الواقع وتحولاته؟

بالنسبة للمشروع بدأ بـثلاثة أشخاص، وفي خلال أربع سنوات كان ما يقرب إلى 25000 ألف شخص في داخل المشروع، والآن عندنا 179 ألف شخص، وهناك انتشار تقريبا في كل الوطن العرب، بالإضافة إلى المحيط الموجود بالوطن العربي والمحيط الإفريقي كالصومال وكينيا وإثيوبيا، إضافة إلى دخوله على أجزاء من أوربا وعلى تركيا، إذا فالمشروع بالنسبة لنا يتحرك بشكل سريع ومتواصل، فبالنسبة لنا لا نشتكي من بطء لأن الحركة موجودة، وهناك انتشار كثيف.

إذا هل يمكن القول بأن قطار النهضة قد انطلق أم لازالت تعترضه عدة معوقات؟

إذا شئت أن تقول إن قطار اليقظة انطلق تكون أقرب إلى الصواب، لأن المرحلة التي نشتغل فيها هي مرحلة اليقظة، وهي تختلف في طبيعتها عن مرحلة النهضة، فهي تشكل مقدمة لحراك نهضوي كبير جدا لكن قطار اليقظة إن شئت أن تقول هو الآن بفضل الله قد انطلق انطلاقة كبيرة جدا في توقعاتي والله تعالى أعلم. أما كيف تسير الأمور فنحن نستهدف في هذه المرحلة كتلة بشرية تصل إلى 1 في المائة من الشباب العربي، وبالنسبة لحساباتنا قد تبلغ إلى مليون من الشباب، هذه الكتلة البشرية في تقديري سيتم إنجازها في خلال 8 سنوات القادمة إلى 10 سنوات، وستكون هذه المرحلة قد استوفت شروطها .

الكثير يلاحظ أن مرحلة اليقظة هذه طويلة جدا وتحتاج إلى كثير من الوقت، ألا ترى معي في ظل هذه التحولات التي تعرفها الصحوة الإسلامية بأننا تجاوزنا هذه المرحلة، وإذا لم نتجاوزها ألم تر بأنها فعلا قد طالت؟

بلغة المشروع الذي نشتغل فيه هي إلى الآن في بداياتها، قد يكون مشروع آخر وتصور آخر للمشهد لا خلاف في ذلك، نحن في المشروع قسمناه إلى مراحل كبرى نتمنى أن نمر بها، وذلك أن مرحلة الصحوة تلفظ أنفاسها الأخيرة، ولذلك ما نشهده الآن من تحرك سيصب في مجال اليقظة. بمعنى آخر أن الشاب الذي كان مكتفيا بما عنده من معرفة الآن يستشعر أن هذه المعرفة ليست كافية لإطلاق طاقاته وممكناته، فهو يبحث عن المزيد من المعرفة ومزيد من المهارات، يبحث عن أمل جديد عن رؤية جديدة للمستقبل، وفي المشروع الذي نشتغل فيه نعتقد أن هذا متوفر، الآن الناس تستطيع أن ترى بوضوح أنه ستشق الطريق، ومداه الزمني محدد، وأنا في تقديري عندما نتكلم عن 8 أو 9 سنوات في عمر مشروع من نوعية المشروع الذي نشتغل فيه لإحداث وعي ليست بالكثيرة إذا أنجز فيها المشروع، وعندها ننطلق إلى الخطوة الثانية.

ما رأيك دكتور في القول القائل بأن مشروع النهضة لا يحتاج إلى نظريات وأفكار بقدر ما يحتاج إلى أفعال وسلوكات ملموسة؟

طبعا الناس التي تعتقد بأن العمل نقيض الفكرة هو خطأ في التصور، فما العمل إلا نتاج الفكرة، أما الوحيد الذي يشتغل بدون فكرة هو أجلكم الله الحمار أما الإنسان فهو ابن الفكرة، فمن اعتقد أن الفكر نقيض العمل فهو أقرب لمن يشبه الإنسان بالدابة، لكن إذا قيل أن ما عندنا من تصور نظري والكل الذي علينا أن نعمله فالواقع يكذب ذلك، ويقول قائل إن ذخيرتنا المعرفية مازال ينقصها الكثير جدا، وحتى الفضاء السياسي مازالت أسئلته مفتوحة، والديني مازالت أسئلته مفتوحة، وأيضا الفضاء الاجتماعي مازالت أسئلته مفتوحة ، ولذلك فان فضاء النظر والبحث أصبح مفروضا فما بالك بالنظري الذي يتحول إلى عملي مباشرة.

بالنسبة لعلاقة الإصلاح بالنهضة هل هناك تفاعل وتعاطي للحركات الإسلامية مع هذا المشروع النهضوي؟

تتفاوت الحركات الإسلامية تفاوتا كبيرا، بعضها وصل إلى درجة النضج ويعتقد أنه مساعد في الحل، فالذي عنده هذا الفضاء يعتقد أنه سيتعاون مع كل من يقدم حلا يفيد ويستفيد، وهناك من يعتقد أنه الحل ويجب ألا يكون بجواره أحد له رأي آخر، فهذا يضيق فضائه في التعاون مع أي شخص، والحق أنه ليس هناك شيء واحد بل هناك من داخل الحركة قد يوجد أكثر من فضاء، هناك فضاء متعاون وفضاء عامل ومؤيد، وهناك فضاء معارض ومشارك.

تعرفت على كثير من قادة العمل الإسلامي، كيف تقيم عملهم وأداء الحركات الإسلامية بصفة عامة؟

إذا قلنا كيف سنقيس فاعلية القيادات الحالية بالنتاج المتحقق على الأرض، فيمكن أن نقول مثلا إن قيادة مثل أردوغان مثلا نتائجها على الأرض مبهرة، ويمكن أن نقيس على ذلك فنقول من هو أداؤه سيء جدا لأن الفضاء الذي يتحرك فيه ضيق والمساحة المتاحة له لم يشغلها بعد، وهناك من يتقدم بالتدرج شيئا فشيئا ويحتل فضاءات جديدة، ويتحرك في فضاء الفكر والرؤية ومقاربة التحولات العددية، فالحالة الإسلامية ليست شيئا واحدا.

وإذا نظرنا إلى القيادات الكبرى، أندونيسيا مثلا ما شاء الله تشق طريقها بشكل كبير جدا وانتهت من قضية الصراع بين الإسلام والمجتمع، إذأصبحت هي والمجتمع شيئا واحدا، تركيا نفس الشيء وماليزيا أيضا، أما إذا جئنا إلى الفضاءات العربية سنجد تفاوتا، هناك من الحركات من هي مصطدمة جذريا مع البناء الاجتماعي الموجود وفي حالة شلل تام، وهناك من خلقوا فسحة للحركة ولرؤية العالم وللتواصل، فكل حركة في نظري تقدر بمنجزاتها على الأرض في بيئتها وظروفها المعطاة، ويمكن بعدها أن نقول إن البعض واضحة إنجازاتها، والبعض غير واضحة إنجازاتها، والبعض واضحة جدا إخفاقاتها.

بالنسبة لخصوصية تجربة حركة التوحيد والإصلاح، كيف تنظرون إلى تجربتها من خلال اطلاعكم على أوراقها التصورية خصوصا قولها إنها تسهم مع جميع الفاعلين في إقامة الدين؟

أعتقد أن هذه خطوة كبيرة جدا في رؤية المجتمع الذي تعيش فيه، وإن كان الفضاء الثقافي الصرف للجموع تنازعه عدة رؤى وليست رؤية واحدة، ففي حديث واحد مع شاب واحد تجد عندنا كل الرحلة التاريخية من التحولات داخل الحركات موجودة عنده، فالفكرة الانقلابية معها الفكرة التجميعية معها الفكرة التواصلية مع المجتمع، سنجد ثلاث فضاءات يعملون بالتناوب داخل العقل الجمعي، لذلك أعتقد أن فكرة أننا جزء من المجتمع و لسنا بديلا عنه تحتاج إلى خدمة نظرية كبيرة جدا، وإلى تأصيل معرفي، وإلى تربية وتثقيف جماعي، وأن تتحول من أقوال إلى ممارسات عملية منفتحة على هذه البيئة الخارجية، وعلى ما أشهد من نقاشات الآن في المغرب أظن أنه يتجه في هذا الاتجاه، ولكن اعتقد في أول خطوتين، فالخطوات الأولى الاعتراف بالآخر، أما كيف أن هذا سيسهم بعد ذلك في التواصل وإمكانية تشبيك بدون حواجز وبدون عقد نفسية فهذا موضوع آخر كبير جدا لم يتم بعد.

من أجل تنزيل المشروع النهضوي البعض يقول إنه بإمكان جهة ما أو شخص الانفراد بالعمل النهضوي، فكيف يمكن تحقيق التعاون والتكامل بدل انفراد جهة ما بعملية النهضة؟

هو أصلا الإصلاح اليوم لا يمكن أن تقوم به جهة واحدة، الجهة الوحيدة المرشحة لأن تقود تخطيطا مركزيا هي الدول، أما إذا جئنا إلى الفاعلين الآخرين، سواء كانوا أفرادا أو تجمعات فهم مسهمون، ومن ثم لا يمكن الإشارة إلى طرف بأنه يغني عن بقية الأطراف بالمطلق. الآن المسألة هي كيف تتعاون هذه الأطراف، هل هو تعاون إيجابي أو احترام أو تنافس سلبي في الفضاء العام الموجود؟ هذا يعتمد على ذكاء وعي الناس في فهم هذه القضية المبدئية، فقضية الاستحواذ التاريخية أننا نحن المنقذون للأمة، ونحن هنا تشمل تنظيمات محددة بعينها وأن الآخرين ليست لهم أدوار، أعتقد أنه ليس لها مكان من المصداقية، لكن التحول عنها عملية ليس بالسهولة بمكان، تحتاج إل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حوارات

كتبها رشيد لخضر ، في 30 مايو 2010 الساعة: 15:25 م

الدكتور سلمان بن فهد العودة في حوار  لـ "موقع الإصلاح": لسنا أوصياء على عباد الله، نحن بشر ممن خلق، نخطئ ونصيب

أكد الدكتور الشيخ سلمان بن فهد العودة أن التجديد ليس مجرد ادعاء، ولا شعارات ترفع، ولا حتى كلمات، وأن أعظم خطوة في التجديد هي القدرة على تجديد النفس و تطويرها حتى في ما يتعلق بقيادات العمل الإسلامي، واعتبر الشيخ سلمان في حواره لموقع الإصلاح أن الصراعات التي تقع في أسرها بعض التنظيمات الإسلامية في الغالب استنزاف لجهودها، ورأى أنه ينبغي تقليل العداوة قد المستطاع، وفي التعامل مع الآخر شدد على ألا نحكم على الناس حكما أبديا لا يقبل التغيير، ودعا إلى تنمية الفكر الاستيعابي المبادر، وفي تقييم له لتجربة حركة التوحيد والإصلاح اعتبر الشيخ سلمان أنها من أقرب الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي لأن تحقق الهدف المنشود، وذلك بالتجدد والانفتاح على الآخر، ولأنها ليس لها انتماء آخر يجعلها عاجزة عن التجديد والتقليد، فهي يؤكد الدكتور سلمان تنتمي لذاتها ولديها القدرة بحول الله وقوته على أن تطور ذاتها، وعلى أن تقيم تجربتها.

وفي ما يلي نص الحوار:
 
تحديات الإعلام
 
• بداية نرحب بك يا شيخ في بلدك الثاني المغرب وعلى تفضلك لإجراء هذا الحوار، باعتبار دكتور أنكم تشرفون على مؤسسة "الإسلام اليوم"، وتقومون بعمل برامج في قنوات متعددة، كيف تنظرون إلى أهمية العمل الإعلامي في تطوير العمل الإسلامي؟
        
** في الحقيقة إنني أعتقد أن الإعلام اليوم يأتي في الدرجة الأولى في الأهمية، لأن الإعلام تسلل إلى كل الناس في العالم، هناك منتجات إعلامية لا أقول إنه ينسخ بعضها بعضا ولكن تتزاحم فيما بينها، ولذلك نحن نتحدث الآن حول ما يسمى بالإعلام الجديد new media والذي هو عبارة عن أدوات بسيطة في يد الفتى ابن 14 سنة وفي يد الفتاة ابنة 14 سنة، كيف يتعامل مع العالم كله من خلال هذا الجهاز الذي يوجد في جيبه: بلاك بيري أو أيلفون أو غيرها أو الجهاز المحمول فيتواصل مع العالم محادثة وتعرفا على أحدث الأخبار وحتى مشاركة وتفاعلا، فهو يقوم بتصوير حدث معين وتنزيله في اليوتوب أو في الفيس بوك أو تويتر أو في أي وسيلة أخرى من الوسائل التي يتعاطى الناس معها وكذلك المدونات والتي أبدت فاعليتها في الأحداث المختلفة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأحداث الطبيعية وغيرها من الحوادث، حقيقة الإعلام ذو أهمية كبيرة جدا، ولذلك أتمنى أن يكون هناك اهتمام كبير بالمواقع الالكترونية والصحافة والتلفزة وغيرها من الوسائل الإعلامية.
 
• وماذا يقتضي الولوج الإعلامي حتي لا يتم الوقوع في تكرار التجارب والجمود في الأساليب؟
** لاشك أن الدخول في هذا الميدان يجعلك مضطرا إلى أن تُجدد الوسائل والتقنيات، فإذا دخلت في هذا الميدان سوف تجد نفسك في حراك ومضطر إلى مواكبة الجديد باستمرار، في وقت من الأوقات كان هناك المنتديات مثلا في الانترنت، الآن تراجع دور المنتديات إلى الفيس بوك ثم جاء ما يسمى ب "التوي تر" ثم اليوتوب والوسائل المختلفة ، وهذه الوسائل ليست وسيلة منها بأن تكون مدعاة إلى أن نلغي الوسيلة الأولى وننتقل إلى الجديدة، وإنما أن نتعاطى مع كل الوسائل المختلفة جميعها، والانترنت نفسه ليس مُلغيا لدور الجريدة وليس ملغيا لدور الكتاب أو لدور التلفزة، وإنما هذه الوسائل كلها تسير جنبا إلى جنب.
 
• النجاح في ميدان الإعلام هل هو مرتبط بجهد فردي أم هو نتاج عمل مؤسساتي؟      
** الجهد الفردي مهم جدا، وكثير من المنتجات التي اعتمدت في العالم كانت في الأصل جهود أفراد اثنان أو ثلاثة، وأحيانا شباب في العشرين من أعمارهم تحولوا إلى أثرياء يشار إليهم في العالم، وهناك أيضا تجارب عربية وإسلامية حققت نجاحا ماديا وامتدادا أفقيا، وأعتقد أنه لابد من الجهد الفردي ولابد من الجهد المؤسسي وأيضا هناك مدعاة للتكامل، مع أن التكامل لا يعني أن نضيق بكثرة المنتجات بمعنى أننا بحاجة إلى مئات الآلاف من المواقع الالكترونية، وفي هذا العام على وجه الخصوص هناك مؤشرات عديدة واعترافات دولية أن المحتوى العربي عبر الانترنت أصبح أكتر ثراء وأكثر حضورا، وهذا مؤشر جيد حيث أصبح هناك توجه إليه سواء من قبل الحكومات أو من قبل المؤسسات.
 
• وكيف ترى انفتاح التنظيمات الإسلامية على ميدان الإعلام ومدى استفادتها مما يتيحه من إمكانات؟
** من الناحية العملية أعتقد أن هناك ضعفا شديدا ولكن من ناحية الإمكان فإنني أظن أن كثيرا من الحركات الإسلامية لو تفطنت لخطورة وأهمية هذا المنتج خاصة ما يتعلق بالانترنت ومشتقاته، أعتقد أنها ستوفر على نفسها الكثير من الجهد والوقت وكثيرا من المال، وسوف تستطيع الوصول إلى دوائر لم يكن يخطر ببالها أنها سوف تصل إليها.
 
تدين الشباب وتحدي الترشيد
 
•هناك صحوة دينية وإقبال كبير للشباب على التدين كيف تنظرون إلى هذه الظاهرة إن كانت كذلك؟ وأيضا كيف يمكن ترشيد هدا التدين؟.
** هي ظاهرة لاشك وهي في الجملة ايجابية، أما كيف يمكن ترشيدها فأنا أعتقد أولا أنه يجب تصحيح مفهوم التدين لئلا يكون الأمر متعلق فقط بشكليات ومظهريات ، وأن الشاب ينبغي أن يترك شيء من لحيته وأن الفتاة ينبغي أن تلبس الحجاب فيكون قد التزم وتدين، هذا لا ينبغي أن يكون كذلك، التدين هو مفهوم قيمي داخلي في القلب والعقل، والانتماء والانضباط والسلوك والأداء والعلاقة أبعد من مجرد هذه الأشياء، نعم هذه الأشياء هي جزء من التدين لكن ينبغي أن لا يظن الإنسان أنه بمجرد أن حققها فكأنه انتقل من حال إلى حال أخرى، ثانيا أنه ينبغي أن يكون هناك انفتاح مع جميع الدوائر الاجتماعية، فمن المخاطر التي أخشاها أن يكن وجود فئة من المتدينين في الكلية أو الجامعة والمصنع أو المستشفى مدعاة إلى أن يكون بينهم علاقات هم في ذاتهم ونوع من القطيعة والبعد عن الآخرين، والذي أتمناه وأفضله أن يكون لهؤلاء علاقات مع الناس كلهم وتواصل ، لأن العلاقة مع الناس سوف تحفظ هؤلاء المتدينين من الشعور بالكبرياء أو من الغلو و تطرف الأفكار، وهي أيضا سوف تؤثر على الآخرين من خلال نقل هذا المستوى الإيماني الراقي إليهم وتوصيله بطريقة العلاقة والصداقة والتعارف والمجاملة.
 
الحركات الإسلامية وتحديات التجديد والتعددية
 
•  لكي يتستمر عطاء الحركات الإسلامية لابد من التجديد ومواكبة التطورات، كيف يمكن تنمية الوعي بالفكر التجديدي لدى قيادات العمل الإسلامي؟
** أؤكد أن التجديد ليس مجرد ادعاء، ولا شعارات ترفع، ولا حتى كلمات، وأيضا حتى حينما تسمي الحركة نفسها حركة الإصلاح و التجديد، لا تعتقد أنها فعلا شرعت في التجديد بمجرد أنها وضعت الاسم ضمن لائحتها أو عنوانها ’ حتى تشرع فيه و تمارسه فعلا، و لذلك فان أعظم خطوة في التجديد هي القدرة على تجديد النفس و تطويرها حتى في ما يتعلق بالقيادات، فأنا كثيرا ما أقول إن قيادات العمل الإسلامي بأمس الحاجة إلى ألا تشغلها اليوميات عن أن تؤطر نفسها وذاتها، وأن تطلع على الجديد في عالم الكتب و في عالم التجربة البشرية، والوعي الإسلامي و المقاصد، فهناك ثورة معلوماتية ضخمة جدا، ينبغي أن نواكبها و أن يكون قادة الفكر و قادة العمل الإسلامي , ليست مهمتهم فقط أنهم إداريون أو قياديون ، هذا رئيس و هذا نائب…. ولكن هم قبل ذلك و بعده أصحاب فكر و متابعة وعلم ومعرفة وروح قوية مؤثرة , بحيث لو افترضنا أن هذا الإنسان في يوم من الأيام

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

دراسات

كتبها رشيد لخضر ، في 3 أبريل 2010 الساعة: 15:25 م

منهج استنباط الأحكام الشرعية عند أبي العباس القرطبي

من خلال بعض المناهج الأصولية: الخصوص (2)
 رشيد لخضر
 
تحديد مفهوم الخاص والخصوص والتخصيص
الخاص والخصوص والتخصيص من حيث اللغة:
خص الشيء خصوصا ": نقيض عمَّ. والخاص هو: المنفرد يقال فلان خاص لفلان أي: منفرد له. واختص فلان بكذا :أي انفرد به.
والخصوص نقيض العموم وهو أحدية كل شيء عن كل شيء بتعيينه فلكل شيء وحدة تخصه. ويستعمل بمعنى لا سيما.[1]
والتخصيص : تميز أفراد البعض من الجملة بحكم اختص به.
الخاص في الاصطلاح :
لقد عرف علماء الأصول الخاص بعدة تعريفات منها:
رأى الآمدي أن الخاص قد يطلق باعتبارين :
الأول : وهو اللفظ الواحد الذي لا يصلح مدلوله لاشتراك كثيرين فيه ، كأسماء الأعلام من زيد وعمر ونحوه، الثاني: ما خصوصيته بالنسبة على ما هو أعم منه وحدُّه أنه: اللفظ الذي يقال على مدلوله، وعلى غير مدلوله لفظ أخر من جهة واحدة ، كلفظ الإنسان ،فإنه خاص ويقال على مدلوله، وعلى غيره ، كالفرس، والحمار ، لفظ الحيوان من جهة واحدة [2].
ومن العلماء من عرف الخاص بأنه :اللفظ الدال على مسمى واحد وما دل على كثرة مخصوصة .[3]إلا أن هذا الحد اعترض عليه الشوكاني فقال: الخاص هو اللفظ الدال على مسمى واحد ويعترض عليه بأن تقييده بالوحدة غير صحيح ، فإن تخصيص العام قد يكون بإخراج نوع من أنواعه أو صنف من أصنافه إلا أن يراد بالمسمى الواحد ما هو أعم من أن يكون فردا أو نوعا، أو صنفا ، لكنه يشكل عليه إخراج أفراد متعددة نحو أكرم القوم إلا زيدا و عمرا و بكرا. ثم يرد على هذا الحد أيضا أنه يصدق على كل دال مسمى واحد سواء كان مخرجا أو لا[4].
مفهوم الخصوص اصطلاحا:
أما الخصوص فقد عرفه الزركشي بقوله: "و الخصوص: كون اللفظ متناولا لبعض ما يصلح له لا لجميعه"[5].
و ذكر بأن العسكري فرق بين الخاص و الخصوص، فقال: الخاص يكون فيه إيراد به بعض ما ينطوي عليه لفظه بالوضع، والخصوص ما اختص بالوضع لا بإرادة. وبهذا يتبين الفرق بين الخاص والخصوص، خلاف ما ذكر بعض الدارسين من أنه لا يوجد فرق في الدلالة بين كلمتي الخاص والخصوص [6].
4- مفهوم التخصيص اصطلاحا :
يقول الشيرازي :وأما تخصيص العموم فحده:" إخراج بعض ما دخل في اللفظ العام بدليل ."[7]
وقال القرافي : وحد التخصيص عندنا : هو إخراج ما يتناوله اللفظ العام أو ما يقوم مقامه بدليل يصلح للإخراج وغيره قبل تقرر حكمه. [8]
أما الإمام الشوكاني فيقول : و أما التخصيص هو المقصود : " هو إخراج بعض ما كان داخلا تحت العموم على تقدير عدم المُخصص."[9]
ومن هنا يتنين لنا أن هناك اتفاق على كون التخصيص هو قصر للعام على بعض أفراده لذلك كانت مهمة التخصيص هي : بيان لإرادة الشارع ، وبيانه أن الأفراد المخصوصين لم يدخلوا ضمن الأحكام حتي يتم التنصيص على إخراجهم .
رأي الجمهور في التخصيص
لقد كان تعريف الجمهور للتخصيص أكثر دقة وشمولية، فالتخصيص عندهم: "هو قصر للعام على بعض ما يتناوله بدليل مطلقا،  دون نظر إلى نوعية الدليل.
 من حيث كونه قطعيا أو ظنيا، مستقلا أو غير مستقل، مقارن في الزمن أو غير مقارن.[10] 
رأي الحنفية في التخصيص.
التخصيص عند الحنفية نوع من البيان لإرادة الشارع الخصوص من العام لذلك شرطوا عدم تأخر البيان عن وقت الحاجة وإلا أوقع المكلف في اللبس والإبهام، فكان تعريفهم للتخصيص هو:" قصر العام على بعض افراده بدليل مستقل مقترن ."[11]       
ومن خلال هذا التعريف يتبين أن الحنفية اشترطوا في الدليل المخصص أن يكون مستقلا عن غيره ، وإنما اشترطوا الاستقلال لأن التخصيص يغير دلالة العام من القطعية إلى الظنية ، وغير المستقل لا يغير دلالته بل هو باق على قطعيته في الباقي ، فمجموع الكلام من العام وما اتصل به من استثناء وشرط …، دل على أن العام أريد به بعض أفراده قطعا، والكلام غير المستقل لم يفد معنى وحده حتى يقبل التعليل فيعدى حكمه بالقياس ، إلى غيره مما دل عليه العام.
وأيضا إن التخصيص بغير المستقل من الشرط والصفة والغاية مبني على اعتبار مفهوم المخالفة لوجود حكمين متعارضين لكل من المنطوق والمسكوت فيقيد أحدهما الآخر، والحنفية نفوا حجيته فليس في الكلام عندهم حكمان متعارضان حتى يتحقق الدافع للتعارض بينهما ، بل حكم واحد للمنطوق ولا معارض له.[12]   
وشرط ثان عندهم: وهو أن يكون الدليل المخصص مقترنا للعام ،أي صدرا معا ‘ دون أن يتأخر أحدهما عن الآخر.
وإنما اشترطوا الاقتران، فلأن العام الذي يرد عليه التخصيص لا يرد منه الشارع ابتداء كل أفراده بل بعضها فقط. فإذا أطلق بلا مُخصص متصل به أفاد إرادة كل أفراده فيسلط الحكم عليها فتأخير المُخصص تجهيل للمكلف لأنه يعتقد العموم ويعمل به من غير أن يكون مرادا للشارع لأن الفرض أن الشارع أراد به بعض أفراده من أول الأمر .
وأيضا إن التخصيص يغير دلالة العام وبيان التغيير لا يجوز تراخيه عن المبين .بخلاف النسخ فإنه بيان تبديل وهو لا يكون إلا متراخيا .[13]
ولما كان التخصيص عند الحنفية يقوم على التعارض، اشترطوا تساوي الدليلين في الدلالة ؛إما يكونا قطعيين أو ظنيين ، فلا يمكن لأحدهما أن يكون قطعيا والآخر ظنيا.
ومن خلال هذه الشروط التي اشترطها الحنفية في التخصيص، جعلوه أكثر تضييقا من الجمهور، بحيث يمكن القول أن كل تخصيص عند الجمهور هو تخصيص عند الحنفية.
وقد نتج على هذا الاختلاف في تحديد مفهوم التخصيص ، اختلاف الحنفية مع الجمهور في أنواع كثيرة من المخصصات، سواء كانت متصلة أم منفصلة، وهو ما سنتطرق إليه في المبحث القادم ، بعد بيان موقف أبي العباس القرطبي من التخصيص وبيان الفرق بين التخصيص والنسخ. 
موقف أبي العباس القرطبي من التخصيص
أبو العباس القرطبي يذهب مذهب الجمهور في تحديد مفهوم التخصيص ، لذلك كان التخصيص عنده هو:"إخراج ما تناوله العموم على الحكم."[14]
وانطلاقا من هذا التحديد لمفهوم التخصيص انتصر أبو العباس القرطبي لرأي الإمام مالك ـ رحمه الله ـ في مسألة جواز التيمم بجميع أنواع الأرض قياسا على جواز الصلاة على جميع أجزاء الأرض،استنادا لقوله صلى الله عليه وسلم:"وجعلت لي الأرض طيبة طهورا".
يقول أبو العباس القرطبي:"لأن الأرض في الحديث بالنسبة إلى الصلاة والتيمم واحدة،فكما تجوز الصلاة على جميع أجزائها،كذلك يجوز التيمم على جميع أجزائها،ولا يظن أن قوله في حديث حذيفة:"وجعلت تربتها لنا طهورا"أن ذلك مخصص له،فإن ذلك هول من قائله،فإن التخصيص إخراج ما تناوله العموم على الحكم،ولم يخرج هذا الخبر شيئا،وإنما عيَّن هذا الحديث واحدا مما تناوله الإسم الأول مع موافقته في الحكم".[15]
2-مخصصات العموم عند القرطبي:
عرفنا فيما سبق أن المالكية يقولون بتخصيص العموم تبعا لرأيهم في القول بظنية دلالة العام على أفراده، ولما كان كذلك، أكد أبو العباس القرطبي رأي المالكية، فكانت آرائه منسجمة مع مذهبه ،فوجدنا أنه يقول بالمخصصات سواء المتصلة منها أو المنفصلة, وهذه أمثلة توضح لنا المراد.
 
1-التخصيص بالمنفصل:
-أشار القرطبي إلى التخصيص بالدليل المنفصل، من خلال مسألة ولوغ الكلب في الإناء.
قال القرطبي رحمة الله-: قوله: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله" في الصحاح: ولغ الكلب في الإناء، ولغ ولوغا: إذا شرب ما فيه بطرف لسانه، ويولغ: إذا أولغه صاحبه.
قال الشاعر:
ما مر يوم إلا وعندهما      ل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

دراسات

كتبها رشيد لخضر ، في 30 مارس 2010 الساعة: 15:16 م

 

منهج استنباط الأحكام الشرعية عند أبي العباس القرطبي
من خلال بعض المناهج الأصولية: العموم (1 )
رشيد لخضر
لقد وردت نصوص القرآن في أغلبها على شكل كليات وعمومات وإطلاقات، فكان ولا بد من بيانها وتقييدها وهو الدور الذي قامت به السنة النبوية فكانت بذلك منهلا من مناهل استنباط الأحكام الشرعية.
ولما كانت السنة النبوية بحرا مليئا بالأحكام ، قام العلماء ببلورة منهج رصين لاستنباط الأحكام منها ، لأن عملية الاستنباط هذه ليست ميسرة لكل من هب ودب ، وإنما هي مخولة لأولي النهى ، الراسخون في العلم ، والعارفون بالقواعد الشرعية واللغوية، وهو الدور الذي قام به "علم الأصول" الذي بفضله تمت معرفة طريقة استنباط الأحكام من الأدلة وكيفية استفادتها من مصادرها ، سواء أكانت كتابا أم سنة أم إجماعا أم قياسا، وبيان مراتب هذه الأدلة وما الذي يُقدَّم منها على الآخر، وبيان الطريقة التي ينهجها المجتهد عندما تتعارض ظواهر الأدلة وبيان تفاوت دلالة الألفاظ من حيث العموم والخصوص ، ومن حيث الإطلاق والتقييد ، والأوامر والنواهي .
ولقد حظيت هذه المناهج الأصولية باهتمام علماء الأصول لما لها من أهمية بالغة في استنباط الأحكام الشرعية من النصوص التشريعية ، الأمر الذي جعلنا نركز بحثنا هنا على هذه المسائل ناظرين إليها من زوايا مختلفة ، مركزين على مواقف وأراء أبي العباس القرطبي التي ستنور لنا الطريق ، وستوضح لنا كثيرا من الإشكالات، وصولا إلى تحقيق المقصود ، وهو الوقوف على أهمية هذه المناهج في استنباط الأحكام الشرعية.
أولا: منهج أبي العباس القرطبي من خلال العام
 تحديد مفهوم العام
1ـ العام لغة:
عم الشيء عموما : شمل الأعم : الجمع الكثير من الناس ، وخلاف الأخص.
والعام: الشامل ، وخلاف الأخص[1] .
2ـ العام اصطلاحا :
لقد كثرت التعريفات لهذا المصطلح منذ ظهوره عند العلماء الأصوليين ، قديما وحديثا ، كل حسب منطلقاته، ولا يسعنا إلا أن نعرج على بعض الأقطاب الأصولية في تعريفاتهم لهذا المصطلح ، لكن على سبيل الإجمال لا التفصيل.
معلوم لدى الباحثين أن كتاب الرسالة للإمام الشافعي (ت204 ه) -رحمه الله- يعد الكتاب المُؤسس لعلم أصول الفقه ، لذلك فإن الإمام الشافعي اعتبر أول من أشار إلى مفهوم العموم والخصوص انطلاقا من تقسيمه للكلام إلى أربعة أقسام ، ثم يضرب لكل قسم مثالا.
يقول الإمام الشافعي :"فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها ، وكان مما تعرف من معانيها، اتساع لسانها وأن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عاما ظاهرا يراد به العام الظاهر ،ويُستغنى بأول هذا منه عن آخره . وعاما ظاهرا يراد به العام ويدخله الخاص ، فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه. وعاما ظاهرا يراد به فيه.وعاما ظاهرا يراد به الخاص. وظاهرا يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره ، فكل هذا موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره[2].
أما النموذج الثاني الذي سلك مسلك التقسيم أيضا في تحديد مفهوم العموم :الإمام ابن حزم الأندلسي ت 456ه ـ رحمه الله ـ حيث قال :" الكلام ينقسم ثلاثة أقسام: فمنه خصوص يراد به الخصوص ، كقولك : زيد وعمرو وما أشبه ذلك ، وعموم يراد به العموم ، ومعنى ذلك حمله على كل ما يقتضيه لفظه ، فمنه ما يكون إسما لجنس يعم أنواعا كثيرة ، كقوله تعالى: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ ومنها ما يكون اسما لنوع ما ، كقوله تعالى: ﴿ والخيل والبغال والحمير﴾ فهذا عموم لجميع الخيل ولجميع البغال والحمير …والقسم الثالث : عموم دل نص القرآن والسنة على انه قد استثنى منه شيء ، فخرج ذلك المستثنى مخصوصا من الحكم الوارد بذلك اللفظ.[3]
ومن خلال هذين النموذجين يتبين لنا أن كلا من الإمام الشافعي والإمام ابن حزم قد اتفقا على الطريقة التي سلكها في التعريف بمفهوم العموم إلا أنهما اختلفا في النتيجة.
اتفاقا في قسمين وهما : العام الذي يراد به العموم ، والعام المخصوص ،واختلفا في مسألة تداخل العموم والخصوص،حيث نجد أن الإمام الشافعي قد أشار إلى هذا بقوله: العام الظاهر يراد به العام ويدخله الخاص بينما الإمام ابن حزم لم يشر إلى هذا الأمر لا من قريب ولا من بعيد.
وعند تصفحنا لبعض كتب الأصول، وجدنا أن هناك مسلكا مغايرا في تعريف العام وذلك عن طريق الحد لدى كثير من العلماء، وسنختار نموذجين من هذه التعاريف .
النموذج الأول : تعريف فخر الدين الرازي [4]: العام عنده " هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له - بحسب وضع واحد -"[5].
وغير بعيد من هذا التعريف وجدناه عند أبي عبد الله التلمساني المالكي [6] إذ يقول:" العموم وهو كون اللفظ مستغرقا لكل ما يصلح له"[7].
ومن خلال هذين التعريفين يمكننا القول بأن العموم هو كل لفظ مستغرق لما تناوله ولم يكن محصورا، فشرط الاستغراق هو الشرط الأساس في تعريف العام.[8]
 مذاهب العلماء في إثبات العموم وصيغه
1ـ إثبات العموم منهج العلماء الأكابر ، إذ لا ينكره إلا نزر قليل لا يعتد بمخالفته ويؤكد هذه الحقيقة الإمام ابن تيمية فيقول ، وأما العموم اللفظي فما أنكره أيضا إمام ولا طائفة لها مذهب مستقر في العلم، ولا كان في القرون الثلاثة من ينكره. وإنما حدث إنكاره بعد المائة الثانية وظهر بعد المائة الثالثة .وأكبر سبب إنكاره إما من المجوزين للعفو من أهل السنة ،أو من أهل المرجئة من ضاق عطنه لما ناظره الوعيديه بعموم آيات الوعيد وأحاديثه فاضطره ذلك إلى أن جحد العموم في اللغة والشرع فكانوا فيما فروا إليه من هذا الجحد كالمستجير من الرمضاء بالنار"[9].
وحقا كان أصحاب المذاهب كلهم  يثبتون العموم، فهذا الإمام مالك ـ رحمه الله ـ يعتمد على هذا الأصل في مواطن كثيرة في موطئه ، ومثال ذلك قوله بجواز الإعتكاف في المساجد سواء كان جامعا أو غيره انطلاقا من قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد ﴾يقول مالك -رحمه الله -: فعم الله المساجد كلها ولم يخص شيئا منها.[10]ونظير هذا كثير في مسائله.
وهذا الإمام الشافعي يستدل بالعموم في أكثر من مرة ، ومن ذلك استدلاله بقوله تعالى ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ فكل شيء من سماء أو أرض أو ذي روح و شجر وغير ذلك فالله خلقه.
ونفس المسلك سلكه الأئمة الأعلام كالإمام أبي حنيفة كما حكا ذلك عنه السرخسي في أصوله،[11] والإمام أحمد بن حنبل [12] وغيرهما من العلماء .
وهذا الفريق يسمى بأرباب العموم وهم الذين يُجرون الألفاظ على عمومها إلا ما دل الدليل على تخصيصه وقد استدلوا بعدة أدلة عقلية ونقلية [13].
أما الفريق الثاني : وهم الواقفية، أي: الذين يتوقفون في الألفاظ ،ومن هؤلاء أبو الحسن الأشعري .
يقول صاحب العدّة : وذهب أبو الحسن الأشعري وأصحابه إلى أن العموم لا صيغة له ، وأن الألفاظ التي لا تصلح للعموم والخصوص يجب التوقف فيها على أن يدل الدليل على أحدهما فيحمل عليه .[14]
وقد استدلوا بعدة شبه ذكر منها الغزالي ثلاثة وهي:
الشبهة الأولى : قالوا كون هذه الصيغ موضوعة للعموم : إما أن تعرف بعقل أو نقل، والنقل إما نقل عن أهل اللغة ،أو نقل عن الشارع ،وكل واحد إما آحاد وإما تواتر. والآحاد لا حجة فيه، والتواتر لا يمكن دعواه. فإنه لو كان لأفاد علما ضروريا، والعقل لا مدخل له في اللغات.
الثانية : قالوا أنا لما رأينا العرب تستعمل لفظ العين في مسمياته، ولفظ اللون في السواد والبياض والحمرة، استعمالا واحدا متشابها قضينا بأنه مشترك، فمن ادعى أنه حقيقة في واحد ومجاز في الأخر ، فهو متحكم.
والثالثة: قولهم إنه يحسن الاستفهام في قوله: "افعل" أنه للوجوب أو الندب فيحسن الاستفهام في صيغ الجمع أنه أريد به البعض أو الكل.[15]
ولقد انبرى الإمام الغزالي للرد على هذه الشبه بما يشفي الغليل ، ليظهر أن القول الحق ، هو قول أرباب العموم ، الذي هو الطريق المختار عنده لأنه لا يختص بلغة العرب وحدهم ، بل هو جار في جميع اللغات .
وأما الفريق الثالث وهم أرباب الخصوص فمنهم البلخى[16] من الحنفية والجبائي[17] من المعتزلة وهم القائلون بحمل صيغة العموم على بعض ما يقتضيه الاسم في اللغة دون بعض – كالواحد في الجنس والثلاثة في الجمع – والتوقف فيما وراء ذلك.
ومما احتج به هذا الفريق ما يلي :
قالوا:لم نجد قط خطابا إلا خاصا لا عاما، فإنما قصد به من بلغه الخطاب من العاقلين البالغين خاصة دون غيرهم.
وقد اعتبر الإمام ابن حزم أن هذا تشغيب جاهل متكلم بغير علم ، ونبه إلى أن ما ذكر من توجه الخطاب إلى البالغين العقلاء العالمين بالأمر دون غيرهم، إنما كان ذلك بنص وارد فيهم فهو عموم لهم كلهم، وذكر أنهم لم يقصد بالعموم كل موجود في العالم؛ وإنما المقصود هو كل من اقتضاه اللفظ الوارد، وكل ما اقتضاه الخطاب، فهذا هو المقصود بالعموم.[18]
كما ذكر ابن حزم أنهم احتجوا أيضا بقوله تعالى:﴿ تدمر كل شيء﴾ [الأحقاف:24 ]
وقال تعالى :﴿ ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ﴾[ الذريات: 42] وقال تعالى: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ وقد علمنا أن الريح لم تدمر كل شيء في العالم، وأن بلقيس لم تؤت كل شيء لأن سليمان عليه السلام أوتي ما لم تؤتى هي .
فبين ابن حزم أن ما احتج به هؤلاء لا حجة لهم فيه ،فأما الأول : قوله تعالى﴿تدمر كل شيء ﴾نبه ابن حزم على أن الله تعالى لم يقل ذلك وأمسك بل قال:﴿ تدمر كل شيء بأمر ربها﴾[الأحقاف :24] فصح بالنص عموم هذا اللفظ.
وأما قوله تعالى :﴿وأوتيت من كل شيء ﴾[النمل: 23] قال ابن حزم : فإنما حكى تعالى هذا القول عن الهدهد، ونحن لا نحتج بقول الهدهد وإنما نحتج بما قاله الله تعالى من خبر من نقل إلينا خبره ، وقد نقل تعالى إلينا عن اليهود والنصارى أقوالا كثيرة ليست مما تصح .
فإن احتجوا وقالوا: فإن سليمان عليه السلام قال للهدهد:" سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين" قال ابن حزم: نعم ولكن لم يخبرنا الله تعالى أن الهدهد صدق في كل ما ذكر، فلا حجة لهم في هذه الآية أصلا.
وهكذا يمضي الإمام ابن حزم في نقض حججهم واحدة واحدة، ليصل إلى إفحامهم وإبطال قولهم، وضرب مثالا بقوله تعالى: ﴿ وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم ﴾[ الأحقاف:25]، قال -رحمه الله -:" فأخبرونا على قوله تعالى في هذه الآية، إن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئا أهو على عمومه؟ أم يقولون: إنها أغنت عنهم شيئا ؟ فإن قلتم كذبتم ربكم، وإن لم تقولوا، تركتم مذهبكم الفاسد، ومثل هذا في القرآن كثير جدا، بل هو الذي لا يوجد غيره أصلا في شيء من القرآن والكلام إلا في مواضع يسيرة، قد قام الدليل على خصوصها، ولولا قيام الدليل على خصوصها لم يحل لأحد أن يحملها على العموم، وبالله تعالى التوفيق"[19].
ـ وبعد هذا يتبين لنا أن المذهب الحق الذي وافق الصواب، هو مذهب أرباب العموم، وذلك لعدة أدلة منها:
أولا: أن الصحابة -رضوان الله عليهم- وهم أعلم وأفقه الأمة بنصوص التنزيل، كانوا يجرون ألفاظ القرآن والسنة على عمومها إلا ما دل الدليل على تخصيصه، والأمثلة على ذلك كثيرة، فكان هذا إجماعا منهم.
ومن هذا ما استند به أبو الوليد الباجي[20] في أحكام الفصول، قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾[ الأنبياء: 97] قال عبد الله بن الزبعري[21]: "والله لأخصمن محمدا"؛ فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: " قد عبد المسيح، وعبدت الملائكة أفيدخلون النار؟" فأنزل الله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾[ الأنبياء: 100]. وجه الدليل من ذلك انه احتج على النبي صل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مقالات

كتبها رشيد لخضر ، في 19 يناير 2010 الساعة: 11:48 ص

التراث والرؤية التجزيئية والتكاملية

عابد الجابري وطه عبد الرحمن نموذجا
بقلم: رشيد لخضر
اختلفت رؤى المشتغلين بالتراث تبعا لمناهجهم في النظر، فمنهم من سلك مسلك الاشتغال بمضامين التراث لا وسائله، ومنهم من توسل بآليات وأدوات بحث اصطنعها المحدثون، فتراه يستعمل التقنية دون أن يملك ناصيتها ولا يقدر على التفنن في استعمالها، ولهذا كانت أحكامهم ونتائجهم التي توصلوا إليها مجانبة للصواب، فقالوا بتفاضل التراث وتجزئه.
وفي المقابل من ذلك، نجد فئة اشتغلت على مضامين التراث، واعتمدت مناهج وأدوات مؤصلة لا منقولة، مع الاستفادة مما أنتجه العلم الحديث من مناهج ونظريات، دون أن يعني ذلك الاستلاب أو الأخذ بها دون نقد وتمحيص، وهذا ما جعل هذه الفئة قادرة على التحكم في استخلاص النتائج التي تخدم التراث وتعلي من شأنه.
والتراث عموما هو ما تقدم وما سلف، هو الماضي بإنجازاته المختلفة والمتنوعة، وبذلك يكون التراث يحمل في طياته الغث والسمين، السقيم والسليم شريطة انتمائه لهذا الزمن الماضي.
وبناء عليه اختلف الناظرون لهذا التراث، فبالنسبة لمحمد عابد الجابري لا يمكن تحقيق النهضة في نظره إلا بالانتظام في التراث، لكن لا كـ"تراث" نندمج فيه وندوب في دروبه ومنعرجاته، بل كمكتسبات إنسانية، علمية ومنهجية متجددة ومتطورة، لابد لنا منها في عملية الانتظام الواعي العقلاني النقدي في تراثنا.
إذن، فالجابري يرفض الانصراف بالكلية إلى التراث، كما يرفض الانسلال عنه بالكلية، فمن جهة أولى يرى أنه: "من الناحية المبدئية لا يمكن تبني التراث ككل لأنه ينتمي إلى الماضي، ولأن العناصر المقومة للماضي لا توجد كلها في الحاضر، وليس من الضروري أن يكون حضورها في المستقبل هو نفس حضورها في الحاضر".[1]
ومن هنا فإن الجابري ينتقد فريقين من الناس في تعامله مع التراث: الفريق الأول: يعيش مع التراث كأنه حاضره ومستقبله، وفريق آخر: يدعو إلى الانسلال بالكلية عن التراث والبدء من الصفر، و بالنسبة له كلا الفريقين يحيا على "وعي مقلوب" أو "وعي متغرب": وعي التراثيين المؤسس على "الاغتراب" الذي يقرأ في التراث العربي كل إيجابيات الحضارة الغربية الحديثة من علوم وتقنيات ومؤسسات سياسية واجتماعية، ووعي الحداثيين المؤسس على "الاغتراب" الرافض للتراث نتيجة الاستلاب الثقافي الحضاري الذي رسخه فينا الغرب المتقدم والمستعمر.
وعند النظر نجد أن الجابري يطرح منهجا جديدا بالنسبة إليه للتعامل مع التراث، وهو: القراءة النقدية العقلانية الاستملاكية للتراث التي هي وحدها من شأنها أن تجيب عن السؤال: "كيف نتعامل مع تراثنا بموضوعية ومعقولية؟ "بمعقولية" أي بطريقة تجعله معاصرا لنا كل المعاصرة، وذلك عن طريق "وصله" بنا.
و"بموضوعية" أي بجعله معاصرا لنفسه وبما يقتضي فصله عنا. وإن هذا الأمر لن يتحقق إلا بإجراء "حوار نقدي" و"حوار عقلاني" مع التراث. وهو حوار يقودنا لا محالة إلى ملاحظة أنه: "لاشك أن هذا المجموع التراثي عناصر قابلة للحياة والتطوير والرؤى والتصورات تأخذ منه الأمة ما يفيدها في حاضرها أو ما هو قابل لأن يعين على الحركة والتقدم. لابد إذن من الاختيار، ومعيار الاختيار هو دائما اهتمامات الحاضر والتطلعات المستقبلية".[2]
 
دعوى الرؤية  التجزيئية للتراث
 
إن الدعوى التي أقامها الجابري في اشتغاله بالتراث هي دعوى التجزيئية وقد صاغها طه عبد الرحمن على الشكل الآتي: "إن التقويم الذي يغلب عليه الاشتغال بمضامين النص التراثي، ولا ينظر ألبتة في الوسائل اللغوية والمنطقية التي أنشئت وبلغت بها هذه المضامين يقع في نظرة تجزيئية إلى التراث".[3]
وهذه النزعة التجزيئية، تقوم على تقسيم المضامين التراثية إلى قطاعات متمايزة في ما بينها، وفي تفضيل بعضها على بعض، فيكون من هذه القطاعات ما يُعد، بحسب هذه النزعة، مقبولا يستحق الدرس، بحجة أنه حي يحتمل أن نربط أسباب الحياة فيه بالحاضر وأن نتوجه بها إلى المستقبل، ومنها ما يعد على العكس من ذلك، مردودا لا يستحق الدرس، بحجة أنه ميت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

دراسات

كتبها رشيد لخضر ، في 31 أكتوبر 2009 الساعة: 14:41 م

دعوى قصور المالكية في علم الأصول
رشيد لخضر
 
     مما لا ريب فيه أن لكل إمام من الأئمة الفقهاء طريقته الخاصة في الاجتهاد و الاستنباط، بناها على قواعد استخلصها بالبحث في مصادر الشريعة، وهذه الطريقة منهم من دونها، لأنه رأى أن الحاجة تدعوا لذلك، ومنهم من ترك تدوينها، وإنما طبقها تطبيقا عمليا.
لذلك كان الإمام الشافعي ـ محط شبه إجماع ـ على انه أوّل من ألف في علم الأصول بكتابه المشهور"الرسالة"، حيث أصل فيه علم الأصول، وبين مناهجه وأرسى قواعده، فكان له بذلك فضل السبق، وإن كان غيره قد سبقه بالإشارة إلى معالم علم الأصول.
ومن هنا ذكر المؤرخون لعلم الأصول، أن العلماء افترقوا تبعا لاختلافهم في طريقة التأليف والغرض إلى فرقتين:
اشتهرت إحدى الفرقتين باسم طريقة المتكلمين: وقد عنت هذه الفرقة بتحقيق القواعد تحقيقا نظريا مع الميل إلى الاستدلال العقلي، دون ربط لتلك القواعد بفروع الفقه، فما أيّدته العقول والحجج من القواعد أثبتوه، وما خالف ذلك ردوه، ولم يلتفتوا إليه إلا عند قصد التمثيل أو التوضيح، وقد نُسبت هذه الطريقة إلى الشافعية لكثرة مؤلفاتهم فيها، مع أن غيرهم من علماء المذاهب الأخرى قد تابعهم في طريقتهم تأليفا وتدريسا.


أما الطريقة الثانية فهي: طريقة الحنفية التي تميزت بربط الفروع بالأصول، فاعتبرت هذه الطريقة أقرب من سابقتها إلى الفقه.
وقد استقر الأمر على ذلك الاختلاف بين الفرقتين فترة من الزمن إلى أن ظهرت طريقة ثالثة رامت الجمع بين طريقة الفقهاء وطريقة المتكلمين، فكان منهجها هو تقرير القواعد الأصولية مجردة على طريقة المتكلمين أولا، ثم إتباع ذلك بتخريج الفروع عليها كما يفعل فقهاء الأحناف.
والناظر في هذه الخلاصة المركزة لتأريخ علم أصول الفقه تأليفا ومنهجا، يلاحظ أن هناك إغفال للمدرسة المالكية في علم أصول الفقه، فما هي الأسباب الموضوعية وراء ذلك؟.
: الإمام مالك ـ رحمه الله ـ لم يؤلف كتابا مستقلا في علم أصول الفقه، وإنما كانت له إشارات أصولية سبق بها غيره. أما كتابه: "الموطأ" فقد تضمن التطبيق العملي لأصول الفقهأولا[2] على هذه الخاصية عند تقديمه لكتابه: القبس، قال:"إذ بناه مالك ـ رضي الله عنه ـ على تمهيد الأصول للفروع ونبه فيه على معظم أصول الفقه، التي ترجع إليه مسائله وفروعه"[3].[1]، لذلك كان الإمام مالك يحتج في كثير من المسائل بالقواعد الأصولية، ونبه القاضي أبو بكر بن العربي
ثانيا: صعوبة البحث عن القضايا الأصولية التي تناولها الفقهاء المالكية في مؤلفاتهم، لأنهم كانوا يهتمون بالجانب التطبيقي أكثر من اهتمامهم بالجانب النظري، لذلك خفيت معالم شخصيتهم الأصولية.
يقول الدكتور محمد المختار ولد أباه:"أما الباحث في أصول الفقه المالكي خاصة، فإنه لا يرى بسهولة نظريات متكاملة مقررة في شكلها النهائي وشاملة لجميع المباحث الأصولية، إذا ما استثنينا كُتب أبي الوليد الباجي[4]،ومؤلفات القاضي عبد الوهاب[5] في الخلاف العالي أو نظريات الشاطبي في كتاب الموافقات[6].
ثالثا: هناك شبهة تقول بأن المالكية أتباع للشافعية في علم أصول الفقه، فلا إبداع لهم في هذا العلم، ولا يتكلمون منهجا واضحا، ولم يبرز لهم مؤلفات تدل على تميزهم الأصولي، بل تجاوز الأمر إلى القول بأن المغاربة المالكية هم أجهل الناس بعلم الأصول.
فإذا سلَّمنا بأن المالكية لم يكن لهم كتاب مُؤسّس ومُؤَصل ومُبيّن لمنهجهم في علم الأصول يُنسب لإمامهم، فهذا لا اعتراض عليه، وإلا فهناك مؤلفات كثيرة لغير الإمام مالك، وهي كتب رائدة في علم الأصول[7].
ونسلم أيضا القول بأن فقهاء المالكية لم يهتموا بالقواعد الأصولية، لأنه في نظرهم أن الفقيه الحق هو الذي يُلم بعلم الأصول حتى يتسنّى له اقتحام عقبة الفقه.
أما القول بأن المالكية كانوا أتباعا للشافعية لا منهج لهم ولا إبداع، بل واتهامهم بالتقصير والجهل، فهذا ما لا يصدقه عقل، ولا يسلم له باحث منصف.
إن هذه التهمة التي اتهم بها المغاربة المالكية كان سببها نقولات مستغلقة وغير كافية في إعطاء هذا الحكم القاسي.
أما بالنسبة للنقول، فهناك قول ينسب للإمام ابن رشد الحفيد595هـ[8]، ذكر فيه أن علم الأصول يروج في جميع البلدان ما عدا المغرب، ونص كلام ابن رشد كالتالي:"وأما الذي أحوج في هذا إلى التمثيل بصناعة التعاليم، فهذه صناعة أصول الفقه، والفقه نفسه، ما لم يكمل النظر فيه إلا في زمن طويل، ولو رام إنسان اليوم، من تلقاء نفسه، أن يقف على جميع الحجج التي استنبطها النظار من أهل المذاهب في مسائل الخلاف التي وضعت المناظرة فيها بينهم في معظم بلاد الإسلام، ما عدا المغرب لكان أهلا أن يضحك منه، لكون ذلك ممتنعا في حقه، مع وجود ذلك مفروغا منه، وهذا أمر بين بنفسه، ليس في الصنائع العلمية فقط، وفي العلمية، فإنه ليس منها صناعة يقدر أن يُنشئها واحد بعينه، فكيف بصناعة الصنائع، وهي الحكمة"[9].
وعندما تأملنا في هذا النص، نجد أن كلام ابن رشد قد فُهم فهما خاطئا، إذ كان "يقصد إلى بيان شرعية النظر في كتب القدماء (الفلاسفة) لأنها أساس المعرفة العلمية الفلسفية، ومثل لذلك بأن الفقيه إذ كان يتعلم ويستفيد مما شيَّده الأسلاف من معارف وعلوم تخص القياس الفقهي"علم أصول الفقه"، فكذلك يجب أن نستفيد مما شيده القدماء في مجال القياس العقلي"علوم المنطق"[10].
ومن هنا تساءل الدكتور ألحيان عن الفهم الخاطئ المنسوب للإمام ابن رشد مع أنه كان يقصد أن المناظرات الفقهية هي التي عرفت ضعفا كبيرا، وهي حقيقة معروفة مقررة، أما علم الأصول فكان رائجا في بلده آنذاك، ونافقه سوقه، وكيف يقصد ابن رشد ذلك الكلام، وهناك مؤلفات تشهد لبراعة القوم في علم الأصول، والأمثلة على ذلك كثيرة منها: مؤلفات الباجي، كالإشارة، وإحكام الفصول، وكتب العلامة ابن حزم الأندلسي[11]، بالإضافة إلى كتب لعلماء معاصرين لابن رشد، ككتب القاضي أبي بكر بن العربي، وأبي الحسن الفيزاري (توفي سنة 553ه)، وأبي الحسن بن النعمة (توفي سنة 567ه) وغيرهم.
وكيف يقصد ابن رشد ذلك الكلام، وهو الأصولي البارع، والمتكلم النظار وكتابه:"بداية المجتهد ونهاية المقتصد" بلغ القمة، ومثل أرقى نموذج في التطبيق العملي لأصول الفقه.
ولهذا تساءل الدكتور مولاي الحسن قائلا: أبعد كل هذا يقال: أن ابن رشد الحفيد يتهم المالكية بقصورهم في علم الأصول؟![12]
أما العلامة ابن خلدون[13] فقد نقل عن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مقالات

كتبها رشيد لخضر ، في 18 أكتوبر 2009 الساعة: 12:37 م

توكل على الله حق التوكل تكن من الفائزين
 
 
رشيد لخضر
 
 
إن الإيمان هو التصديق، وكل تصديق بالقلب فهو علم، وإذا قوي سمي يقينا، وأبواب اليقين كثيرة، منها: التوحيد، وتوحيد الله تعالى الذي ترجمته قولك أيها المؤمن:"لا إله إلا الله وحده لا شريك له" فهذا التوحيد هو الذي ينبني عليه التوكل، فإذا عرفت أن الله سبحانه وتعالى هو المُستحق للعبودية لا معبود سواه، له الملك وله الحمد، فقد تم إيمانك واكتمل، وبذلك تكون من المتوكلين على الله حق التوكل.
 
ولا يصح توكلنا على الله تعالى إلا إذا عرفنا الوكيل، فالوكيل من أسماء الله الحسنى، فهذا الوكيل هو خالقنا ومدبر شؤوننا، هو الذي يتولانا ولا يضيعنا، يرزقنا ولا يحرمنا؛ إنه الخالق سبحانه وتعالى الذي يتولى برعايته النطفة إلى أن تتحول إلى جنين، وإلى أن يخرج الجنين إلى الحياة، وهكذا ففي كل مرحلة رعاية إلى أن يرجع المخلوق إلى خالقه.
 
وإذا نظرنا إلى حال مجتمعنا اليوم نجد أن بعض الناس لا يتوكلون على خالقهم حق التوكل، فهم منشغلون بالجري وراء مطامع الدنيا وملذاتها، وبعضهم ينظر إلى الحياة بنظرة التشاؤم واليأس، وقد نسي هؤلاء التوكل على خالقهم في كل ما يقومون به.
 
ولعل السبب وراء هذا هو جهل الناس بحقيقة التوكل، فالتوكل هو انطراح القلب بين يدي الله كانطراح الميت بين يدي مغسله، وهذا تشبيه بليغ حيث أن المغسل يقلب الميت كيف يشاء، فكذلك يكون قلبك مع الله تعالى، وكأنك تقول: يا رب افعل بي ما تشاء، أنا سلمت كياني لك يا الله، وراض بما ستفعله بي، فأنا متوكل عليك، لأني موقن بأنك لن تسلمني للبشر أبدا، فأنا متوكل عليك.
 
إن التوكل على الله تعالى عبادة قلبية محضة لا تمارس إلا بالقلب والتوكل صفة المؤمنين، ومنزلة عظيمة لا يبلغها إلا المخلصون الصادقون، قال تعالى:"وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين" وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم"فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين" وقال تعالى عن أصحاب نبيه "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"، فالتوكل على الله تعالى صفة الأنبياء و المرسلين وشعار المؤمنين الصادقين.
 
لكن المتأمل في حال الناس اليوم يرى بأن هذه العبادة قد فهمت فهما خاطئا، فكثير من الناس تجدهم يتركون تناول الدواء، ويتركون الإعداد الجيد للامتحانات، ولا يسعوا وراء أسباب الرزق بدعوى أن الله تعالى هو المتكفل بذلك كله.
 
صحيح أن الله تعالى متكفل بعباده، ولكن ذلك لا يعني ترك الأخذ بالأسباب، بل يجب اعتقاد أن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكل فيه، فهو كالدعاء الذي جعله الله سببا في حصول المدعو به، ثم تأتي الأسباب الأخرى بعد ذلك من جد واجتهاد، وكد وسعي وراء طلب الرزق، فالتوكل بداية الأسباب، كما لا يتعارض التوكل مع التخطيط ، ولكن الخطأ أن يبقى الإنسان مهموما حزينا بعد التخطيط، والصواب أن تريح نفسك من الهم بعد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

خواطر

كتبها رشيد لخضر ، في 18 سبتمبر 2009 الساعة: 12:05 م

طوبيس العاصمة بين الطرامواي وفيوليا
 
رشيد لخضر
 
 
 
 
 
 
بلدنا كل ما فيه جميل، يأخذ بلب الزائر، ويشده شوقا وحنينا، ماؤه عذب المذاق، وطبيعته خلابة، ومناظره تسر الناظرين، ومآثره التاريخية تبهر العقول، أوراش إصلاحه مفتوحة، انتقاله الديمقراطي يترنح، مجالات التنافس فيه مشرعة، أماكن الاحتجاج فيه معروفة ومعلومة، وحرية التعبير فيه مضمونة شريطة عدم الإخلال بالتناغم المنشود، وحتى وسائل تنقله في تطور ملحوظ ومأمول.
 
بل وحتى حافلات عاصمتنا المحبوبة متنوعة، أصحاب شركاتها متنوعون بين الجماني وحكم وبوزيد واللائحة تزيد، لكن ما يعاب على حافلات الرباط المسكينة أنها شاخت واهترئت، ألوانها تغيرت غير ما مرة لكن هذه المرة الصدأ فعل فعله  فيها، كراسيها اعوجت ومالت، أصابتها المسكينة انفلونزا الثقب من أعلى وأسفل، أما محركاتها العجوز فإنها تعلن الغضب في كل وقت وحين، إما بإعلان الإضراب والاحتجاج أو الغط  في النوم حتى يفضحها شخيرها.
 
ولعله في الشهر الفضيل قد طفح الكيل وظهر العيب، فمن منا لم يشد انتباهه منظر توقف حافلة جراء عطب أصابها أو ثقل و زحام أثقل كاهلها، فأول ما تستقل طوبيس العاصمة قاصدا مأربك ومبتغيا تحقيق حاجتك، يأتيك إحساس أقرب إلى التصديق أنه من المحال أن تصل ما تريد، فرائحة الحافلة تثني عزائمك، وكراسيها تحبط أمالك، فإذا انطلقت المسكينة زحفت زحف السلحفاة، أما إذا كانت ذروة الزحام فما عليك إلا أن تضع يدك على قلبك يا مسكين وتفوض أمرك إلى خالق الأكوان، ها هي تسير المسكينة ببطء وبين الفينة والأخرى تأخذ قسطا من الراحة لمواصلة الزحف، حتى إذا ما انتصف الطريق اختارت المسكينة مكانا خاليا لتصدر بيانا شديد اللهجة: إنني أحتج كثيرا وأعلن لكم توقفي غضبا، فيبدأ "الشيفور" يتقرب ويرغب فيها فتصده صدا، إنها اليوم أعلنت وبدن رجعة التوقف وكفى، لا مجال للطلب والمزايدة فهذ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رمضانيات

كتبها رشيد لخضر ، في 23 أغسطس 2009 الساعة: 15:07 م

     رمضان فرصتك للتعلم

        رشيد لخضر

رمضان شهر الصيام والقيام، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار«من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، لذلك فإن هذا الشهر العظيم يعد محطة يتزود فيها المسلم بزاد التقوى والإيمان.

والناظر في هذا الشهر الكريم، يجد أن أيامه كلها رحمة بهذه الأمة، لذلك فإننا نلاحظ أن ظاهرة التدين عند المغاربة في هذا الشهر الفضيل تشهد ارتفاعا ملحوظا، حيث الإقبال على المساجد يرتفع، كما يكون هناك أيضا إقبال على القرآن الكريم تلاوة وحفظا وتجويدا، لذلك فإن الناس يتنافسون فيما بينهم في الحرص على قراءة الحزب للتمكن من ختم قراءة القرآن، ومنهم من يتعهد نفسه بختم القرآن أكثر من مرة في هذا الشهر الكريم، بل إننا نجد الآباء والأمهات يشجعون أبناءهم على حفظ كتاب الله، ويدفعونهم للمشاركة في مسابقات تجويد القرآن.

ومادام أن شهر رمضان هو شهر الرحمة واغتنام الحسنات، واقتداء بسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام" لأنه كان أجود من الريح المرسلة" نجد أن المغاربة يقومون بأعمال البر والإحسان بشكل مكثف، ويتضامنون مع الفقراء والمساكين، كما أن ذلك العري الفاضح يقل ـ على الأقل ـ في هذا الشهر الكريم، وبما أن الشياطين تسلسل في هذا الشهر يستحي المرء من فعل المنكرات نهارا جهارا، بل إن حانات الخمور

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رمضان كريم

كتبها رشيد لخضر ، في 23 أغسطس 2009 الساعة: 15:02 م

 

الخطوات السليمة في استقبال رمضان

يختلف الناس في الاستعداد لاستقبال شهر رمضان، شهر القرآن والصيام، الشهر الذي تُصفد فيه الشياطين، وتُفتح فيه أبواب الرحمات، وهو الشهر الذي كان الصحابة الكرام يستعدون له بست شهور قبله حتى يتحصلوا بركاته و ينالوا خيراته، فأين نحن من الاستعداد السليم لاستقبال شهر القرآن؟

الناظر في أحوال الناس اليوم يجد أنها قد دخلها التغيير واعتراها كثير من الشبهات، وظهرت عادات وسلوكات غريبة عن قيمنا وثوابت ديننا، فمنهم من يجتهد كل اجتهاده ليستقبل رمضان بإيجاد الملبس المناسب والمأكل الكثير، من الملابس التقليدية كالجلباب إلى توفير التمور والطماطم، ومن النساء من تُسخر جل وقتها في إعداد الحلويات وأنواع جديدة من المأكولات، والبعض الآخر قد أخذته الدنيا بمغرياتها وفتنها، فتجده لا يميز بين يوم وآخر، فالأيام والشهور عنده سيان، كما أن هناك

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي